ابراهيم بن عمر البقاعي
274
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
سلطته به من الوسوسة ، وأكده إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن يصدق به لما يبعد ارتكابه في العادة من اتضاح أمره وظهور فساده وضره . ولما كان الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا أراد ، عبر بقوله : جِبِلًّا أي أمما كبارا عظاما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد ، ومع ذلك فكان يتلعب بهم تلعبا ، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا وأحقر أمرا ، قال في القاموس : الجبل - بالضم : الشجر اليابس والجماعة منا كالجبل كعنق وعدل وعتل وطمر وطمرة وأمير ، ثم قال : وبالكسر وبالضم وكطمرة : الأمة والجماعة ، ثم قال : والجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة : الخلقة والطبيعة . ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام على الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة ، وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب من الوسط مع الظهور والعلو للضم من القوة ، وقراءة روح كذلك مع تشديد اللام على نهاية الشدة والجلاء والقوة بما زادت من التشديد ، وقراءة الباقين بكسرتين وتشديد على ما فوق الوسط - بما أشارت إليه الحركات والتشديد ، ولكنه مع خفاء ، وكأنه بالمكر بما أشار إليه كون الحركتين بالكسر ، وعظم سبحانه الأمر بقوله : كَثِيراً ثم زاد في التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله لهم مع ما أوتوا من العقول من قوله : أَ فَلَمْ ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولا وأيّ عقول ، عبر بالكون فقال : تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * أي لتدلكم على ما فيه النجاة عقولكم بما نصبت من الأدلة ، مع ما نبهت عليه الرسل ، وحذرت منه من إهلاك الماضين ، بسبب اتباع الشياطين ، وغير ذلك من كل أمر واضح مبين . ولما أنكر عليهم أن يفعلوا فعل من لا عقل له ، قال متمما للخزي : هذِهِ إشارة لحاضر إما حال الوقوف على شفيرها أو الدّع فيها جَهَنَّمُ أي التي تستقبلكم بالعبوسة والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين : الَّتِي كُنْتُمْ أي كونا هيأتكم به لقبول ما يمكن كونه بما غرزته فيكم من العقول . ولما كان المحذور الإيعاد بها ، لا كونه من معين ، قال بانيا للمفعول : تُوعَدُونَ * أي إن لم ترجعوا عن غيّكم اصْلَوْهَا أي قاسوا حرها وتوقدها واضطرامها ، وهوّل أمر ذلك اليوم بإعادة ذكره على حد ما مضى فقال : الْيَوْمَ لتكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة ، وشتان ما بين الشغلين بِما أي بسبب ما . ولما كانوا قد تجلدوا على الطغيان تجلد من هو مجبول عليه ، بيّن ذلك بذكر الكون فقال : كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * أي تسترون ما هو ظاهر جدا بعقولكم من آياتي مجددين ذلك مستمرين عليه . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 65 إلى 69 ] الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 ) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 )